الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
122
مناهل العرفان في علوم القرآن
الوارد على سبب خاص باق على عمومه عند الإطلاق . وذلك هو المطلوب . « الدليل الثالث » احتجاج الصحابة والمجتهدين في سائر الأعصار والأمصار بعموم تلك الألفاظ الواردة على أسباب خاصة في وقائع وحوادث كثيرة من غير حاجة إلى قياس أو استدلال بدليل آخر . وكيف ينكر هذا ؟ وأكثر أصول الشرع خرجت على أسباب خاصّة ، وبرغم خصوص تلك الأسباب قد فهموا من الألفاظ النازلة فيها حقيقة العموم ، ثم صاغوا من عموماتها كثيرا من الأصول . فاستدلوا بآية السرقة على وجوب قطع كل يد مع أنها نازلة في خصوص سرقة المجنّ أو رداء صفوان . واحتجوا بآيات الظهار على وجوب الكفارة المذكورة فيها والعمل بأحكامها على كل من ظاهر ، مع أنها نازلة في خصوص من عرفت قبل . وكذلك برهنوا بآيات اللعان على شمول حكمه لكل من قذف زوجته ولم يكن معه شهود على حين أنها نازلة في خصوص من ذكرنا سابقا . ويمكن أن تنظم من هذا الدليل قياسا اقترانيا نصه : عموم اللفظ الوارد على سبب خاص قد اعتبره الصحابة والمجتهدون ، وكل ما كان كذلك فهو المعتبر . فعموم اللفظ الوارد على سبب خاص هو المعتبر . ويمكن أن تنظم منه دليلا استثنائيا نصه : لو لم يكن عموم اللفظ الوارد على سبب خاص هو المعتبر ، لما اعتبره الصحابة والمجتهدون ، لكن التالي باطل فبطل المقدم ، ثبت نقيضه ، وهو المطلوب . ملاحظة : لا يبعد عليك أن تستدل للمقدّمات الصغرى والكبرى في الأقيسة الاقترانية التي ذكرناها ، خصوصا بعد أن تنظر فيما نثرناه قبلها من عرض الأدلة بالأسلوب المألوف الخالي من القيود الشكلية ، في الاصطلاحات المنطقية .